كنت أتساءل كثيرا عندما كنت صغيرا، لماذا يا ترى يتعب الكاتب نفسه بتصفية ذهنه جاهدا من أجل أن يكتب نصا كان أدبيا أو اجتماعيا أو غير ذلك من النصوص. ولم أجد إجابة لهذا السؤال حينها، فقررت أن أجهد نفسي بالقراءة والإطلاع على الكثير من النصوص، فكانت النصوص الأدبية تمثل لي الهدف الأول للإطلاع، وذلك لأنها تحمل الكثير من المعاني والتعابير التي تؤشر على اجتهاد الكاتب من أجل صياغتها ، على عكس النصوص الأخرى ، فإنها فقط تشكل ترتيب الحروف والكلمات من خلال الخبرة الشخصية التي مرّ بها الكاتب، هكذا كنت أحسب طريقة صياغة هذه النصوص.
وبمرور الأيام كنت أزداد تحيرا وتعجبا، ولم أجد إجابة واضحة تجيب على تساؤلي، وكانت إحدى الحوادث التي زادت تعجبي هو القراءة عن الأدب المهجري ، الذي لم يكن له مثيلا في الجودة ، بحسب رأيي ، في العصور الحديثة، وتحول تساؤلي هنا وسار مسارا لم يختلف عن سابقه ، لكنه الآن أكثر دقة. كنت أتساءل عن الأسباب الحقيقية التي دعت أدباء المهجر لأن يخرجوا لنا أدبا حديثا ذو جودة رغم أنهم في أرض لم تكن تحمل شعار العروبة، ولا تمت بالعروبة في أصلها. كان الكثيرون يؤولون هذه الحادثة إلى أن أدباء المهجر أرادوا أن يحافظوا على الأدب العربي في مهجرهم ، لكن كيف يحافظون على شيء ليس له وجود في ذلك المكان ؟
لم أجد إجابة لتساؤلاتي في أي مكان ، إلى اليوم الذي طرحت هذا الموضوع للنقاش في إحدى الحصص الدراسية، وكانت التأويلات كثيرة ، فمنهم من كان يقول بأن الكاتب يحب الشهرة فلذلك يكتب ، ومنهم من قال بأن الكاتب يريد أن يبث أفكاره الشخصية حتى يلاقي أناسا حولها متجمعين ، يفكرون بنفس تفكيره ، كأنه بث فيهم شيئا من المساحيق السحرية حتى يتبعوه ، والطرف الأخير قال أن الكاتب يريد بكتابته أن ينشر العلم الذي يمتلكه ، وذلك من مبدأ تعلم وعلم. لكن أيا من هذه التفاسير لم يعطني الجواب الذي كنت أريده.. ولكن من خلال هذا النقاش تفتحت لي أبوابا أخرى لأطلق فكري إليها. كان أكثر الأمور التي جعلتني أتعجب كثيرا هي عندما قال أحد الطلاب المعروفين بعدم الإكتراث لما حولهم، قال: (كن كاتب ، وبتعرف ليش*) ، لم يلقِ أحد منّا إلى هذه الجملة أية انتباه، ليس لأنها غير مهمة ولكن كالعادة نحن لا نلقي بالا لما يقوله بعض الأشخاص ، وكأننا نسمع الذي نريده فقط ، ونرمي الذي لا نريد في سلة المهملات.
وإن أردنا أن نقرأ الموضوع من منظور آخر ، فنستطيع أن نقول ما الذي يدعوا الكاتب المتميز أن يتوقف من الكتابة، كان توقفا نهائيا أم توقفا عن الكتابة للجمهور الذي تعود أن يكتب له، فالأسباب هنا قد تكمن في تغير ثقافة الكاتب وعدم تناسبها مع جمهوره ، أو قد تكمن في عدم اكتراث الجمهور لما يكتبه الكاتب. فالكاتب يكتب لجمهوره ، إن لقي تشجيع منهم واصل الكتابة بإبداع ، وإن لم يلق تشجيعا منهم فإنه يتوقف عن الكتابة أو ينتقل إلى جمهور آخر للكتابة له، الجمهور الذي يعرف أنه سيلقى التشجيع منهم.
وهكذا نستطيع أن نقول في نهاية المطاف أن الكاتب لا يكتب لنفسه ، ولكن يكتب للجمهور الذي يقرأ له ، فكيف لو كان الجمهور لا يقرأ في الأصل ، هل يا ترى سيكون هنالك كتاب ؟
__________________________
* ليش: كلمة عامية بمعنى لماذا.